عبد المنعم النمر

95

علم التفسير

ومثل هذا حدث في الفقه أيضا حيث ظهرت مدرستان فقهيتان : مدرسة الحديث . ومدرسة الرأي ، واشتهر عن مالك رضي الله عنه أنه من مؤسسي المدرسة الأولى في المدينة ، وعن أبي حنيفة أنه مؤسس المدرسة الثانية في العراق . وحدث أيضا في علم الكلام حيث انقسم المتكلمون في علم التوحيد أو في صفات الله . . إلى سلف : يحجمون عن التأويل في مثل يد الله ، وعينه ، ووجهه ، واستوائه مما ورد في القرآن ، ويقولون : له يد . . لا كأيدينا . . ولا نقول أكثر من ذلك ، وإلى خلف : رأوا أن مثل هذا الموقف لا يشبع نهم عالم ، ولا يردّ شبهة متمرد ، فلجئوا إلى التأويل بأن اليد معناها القدرة ، ليسكتوا هؤلاء المتمردين . . معتمدين على الاستعمالات المجازية في كلمة اليد في الأسلوب العربي . . ولا نعتقد أن أحدا منهم جاوز الهدف في أيامه في خدمة الاسلام ، ولكن كان لكل منهم طريقة في أداء هذه الخدمة حسبما رأى ، على أن الذين اتجهوا إلى الاعتماد في التفسير على الرأي لم يهملوا الأحاديث الصحيحة ، بل ذكروها أيضا ، وجالوا في دائرتها ، علما بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفسر القرآن كله ، ولم ترو أحاديث صحيحة يمكن بها تفسيره كله . . فالحاجة تدعونا - إذن - إلى الاعتماد على العقل والرأي في التفسير . على أن الذين عابوا التفسير بالرأي لم يعيبوه إلا لبعض سقطات من بعض الذين تركوا الحديث ، واعتمدوا على عقولهم وعلى وجه من وجوه اللغة ، غير ناظرين لما روى من حديث صحيح ، ولا إلى الوجه الآخر في اللغة ، ولا إلى جو الآية . . بل نجدهم - أعنى أصحاب التفسير المأثور - أعملوا عقولهم في التفسير ، فإن أبا بكر رضي الله عنه ، لم يكن يعنى إلغاء عقله نهائيا أمام القرآن والتوقف النهائي عن فهمه ، إذا لم يرد فيه حديث ، بل كان وقوفه أمام أمر يحتاج إلى رواية . . بدليل أنه وعمر وابن عباس وباقي الصحابة ، كانوا يرجعون في الفهم إلى لغة العرب واستعمالاتهم ، وقد سأل عمر عن معنى « الأب » ، وعن معنى « تخوف » ، وكان ابن عباس يفسر القرآن بما عرفه من كلام العرب